ابن كثير
45
البداية والنهاية
ووضعوها مواضعها ، وأعطوها أهلها ، وخرجوا خماصا منها . ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها لأنفسهم ، وتداولوها . فجاروا فيها واستأثروا بها ، وظلموا أهلها ، فأملى الله لهم حينا ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) فانتزع منهم ما بأيديهم بأيدينا ، ورد الله علينا حقنا ، وتدارك بنا أمتنا ، وتولى أمرنا والقيام بنصرنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض ، وختم بنا كما افتتح بنا ، وإني لأرجو [ أن ] لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير ، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح ، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله . يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا ، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا ، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم ، فاستعدوا فأنا السفاح الهائج ( 1 ) والثائر المبير . وكان به وعك فاشتد عليه حتى جلس على المنبر ونهض عمه داود فقال : الحمد لله شكرا الذي أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من بيتنا ( 2 ) . أيها الناس : الآن انقشعت حنادس الظلمات وانكشف غطاؤها ، وأشرقت أرضها وسماؤها ، فطلعت شمس الخلافة من مطلعها ، ورجع الحق إلى نصابه ، إلى أهل نبيكم أهل الرأفة والرحمة والعطف عليكم ، أيها الناس إنا والله ما خرجنا لهذا الامر لنكنز لجينا ولا عقيانا ولا لنحفر نهرا ولا لنبني قصرا ولا لنجمع ذهبا ولا فضة ، وإنما أخرجتنا الانفة من انتزاع حقنا والغضب لبني عمنا ، ولسوء سيرة بني أمية فيكم ، واستذلالهم لكم ، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ، فلكم علينا ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس ، أن نحكم فيكم بما أنزل الله ، ونعمل بكتاب الله ، ونسير في العامة والخاصة بسيرة رسول الله ، تبا تبا لبني أمية وبني مروان ، آثروا العاجلة على الآجلة ، والدار الفانية على الدار الباقية ، فركبوا الآثام وظلموا الأنام ، وارتكبوا المحارم وغشوا الجرائم ، وجاروا في سيرتهم في العباد ، وسنتهم في البلاد التي بها استلذوا تسربل الأوزار ، وتجلبب الآصار ، ومرحوا في أعنة المعاصي ، وركضوا في ميادين الغي ، جهلا منهم باستدراج الله ، وعميا عن أخذ الله ، وأمنا لمكر الله ، فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون ، فأصبحوا أحاديث ومزقوا كل ممزق ، فبعدا للقوم الضالمين . وأدان الله من مروان ، وقد غره بالله الغرور ، أرسل عدو الله في عنانه حتى عثر جواده في فضل خطامه ، أظن عدو الله أن لن يقدر عليه أحد ؟ فنادى حزبه وجمع جنده ورمى بكتائبه فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله ، ومحق ضلاله ، وأحل دائرة السوء به ، وأحاط به خطيئته ، ورد إلينا حقنا وآوانا . أيها الناس ! إن أمير المؤمنين نصره الله نصرا عزيزا ، إنما غاد إلى المنبر بعد صلاة الجمعة لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره ، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك ، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية ، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن ، وخليفة الشيطان ، المتبع للسفلة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون المتوكل على الله المقتدي بالأبرار الأخيار الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى ، ومناهج التقى . قال فعج الناس له
--> ( 1 ) في الطبري وابن الأثير : المبيح . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير : نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) .